الشوكاني
106
فتح القدير
سورة إبراهيم الآية ( 26 - 27 ) لما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار ، وأنها كرماد اشتدت به الريح ، ثم ذكر نعيم المؤمنين ، وما جازاهم الله به من إدخالهم الجنة خالدين فيها ، وتحية الملائكة لهم ذكر تعالى ها هنا مثلا للكلمة الطيبة ، وهى كلمة الإسلام : أي لا إله إلا الله ، أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الخير ، وذكر مثلا للكلمة الخبيثة ، وهى كلمة الشرك ، أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الشر ، فقال مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو مخاطبا لمن يصلح للخطاب ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا ) أي اختار مثلا وضعه في موضعه اللائق به ، وانتصاب مثلا على أنه مفعول ضرب وكلمة بدل منه . ويجوز أن تنتصب الكلمة على أنها عطف بيان لمثلا . ويجوز أن تنتصب الكلمة بفعل مقدر : أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وحكم بأنها مثلها ، ومحل كشجرة النصب على أنها صفة لكلمة ، أو الرفع على تقدير مبتدإ : أي هي كشجرة ، ويجوز أن تكون كلمة أول مفعولي ضرب ، وأخرت عن المفعول الثاني ، وهو مثلا لئلا تبعد عن صفتها ، والأول أولى ، وكلمة وما بعدها تفسير للمثل ، ثم وصف الشجرة بقوله ( أصلها ثابت أي راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها ( وفروعها في السماء ) أي أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء ، ثم وصفها سبحانه بأنها ( تؤتى أكلها كل حين ) كل وقت ( بإذن ربها ) بإرادته ومشيئته ، قيل وهى النخلة ، وقيل غيرها . قيل والمراد بكونها تؤتى أكلها كل حين : أي كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف ، وقيل المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين ، وقيل كل غدوة وعشية ، وقيل كل شهر ، وقيل كل ستة أشهر . قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة لأن الخبر عند جميع أهل اللغة إلا من شذ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره ، وأنشد الأصمعي قول النابغة : * تطلقه حينا وحينا تراجع * قال النحاس : وهذا يبين لك أن الحين بمعنى الوقت . وقد ورد الحين في بعض المواضع يراد به أكثر كقوله - هل أتى على الإنسان حين من الدهر - . وقد تقدم بيان أقوال العلماء في الحين في سورة البقرة في قوله - ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين - . وقال الزجاج : الحين الوقت طال أم قصر ( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) يتفكرون أحوال المبدأ والمعاد ، وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته ، وفى ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني ( ومثل كلمة خبيثة ) قد تقدم تفسيرها ، وقيل هي الكافر نفسه ، والكلمة الطيبة : المؤمن نفسه ( كشجرة خبيثة ) أي كمثل شجرة خبيثة ، قيل هي شجرة الحنظل ، وقيل هي شجرة الثوم ، وقيل الكمأة ، وقيل الطحلبة ، وقيل هي الكشوث بالضم وآخره مثلثة ، وهى شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض . قال الشاعر : * وهى كشوث فلا أصل ولا ثمر * وقرئ " ومثلا كلمة " بالنصب عطفا على كلمة طيبة ( اجتثت من فوق الأرض ) أي استؤصلت واقتلعت من أصلها ، ومنه قول الشاعر : * هو الجلاء الذي يجتث أصلكم * قال المؤرخ : أخذت جثتها وهى نفسها ، والجثة شخص الإنسان ، يقال جثة : قلعه ، واجتثه : اقتلعه ، ومعنى من فوق الأرض : أنه ليس لها أصل راسخ وعروق متمكنة من الأرض ( ما لها من قرار ) أي من استقرار على الأرض . وقيل من ثبات على الأرض ، كما أن الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه ولا خير يأتي منه أصلا ، ولا يصعد له قول طيب ولا عمل طيب ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) أي بالحجة الواضحة ، وهى الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها وقد ثبت في الصحيح